بعد عامان من التمعن في الدراسة الأكاديمية في بلادنا، بل ومعايشتها يوميا طوال هذه المدة، أصبحت أتعجب كيف ظهر هؤلاء النابغة في أزهى عصور الإسلام، كيف استطاعوا ان يتوصلوا لتلك النظريات وتطبيقها لتصبح اساسا لعلومنا الكونية اليوم، كيف تلقوا العلم؟ كيف درسوه، كيف تعلموه؟ لم تتوفر لديهم سبل لدقة القياس فكيف استطاعوا ان يتوصلوا لكل هذه النظريات والحقائق العلمية؟ فحلقات العلم ما كانت إلا رجل عالم يلتف حوله المتعلمين وبعض الكتبة لينقلوا علمه. وبالرغم من بساطة الأجواء وتأخر الآليات إلا أن هذا لم يمنع من أن يظل علمهم موجودا حتى عصرنا هذا، استنادا إلى تلك البدائية في النقل والتعلم، فنقل البخاري ومسلم احدايث الرسول ، وننقل لنا مناهج الأئمة الأربعة في الفقه وغيرهم من علوم لاتزال اساسا لحياتنا الآن ، ومن دونها لسادت الهمجية والوضعية في كل شئ. وهذا لايدل إلا على مدى الامانة في التعليم والنقل ورغم بدائية الأدوات إلا انه كان وراءها فكر وأساس منهجي في التعليم. أما الحال الآن وعندما أتفكر فيه يتراود في ذهني منظر لبعض الطلبة ـ انا واحدة منهم ـ في حالة من السام يواجههم أستاذ ومعاونه، لا يتحرك الحوار بينهم غالبا سوى في اتجاه واحد، وكلما زاد الحوار كلما زاد التأفف على وجوه الطلبة ، فأصبحت ساعات العلم ماهي إلا ساعات أشبه بالسجن، الفارق الوحيد أن سجان هذا المكان لا يحكمك بالحديد والنار والحبس الانفرادي وراء القضبان ، بل يحكمك بالتحكم في مستقبلك المهني ، وفي مخطط حياتك وسنوات عمرك. كلما تذكرت هذا المنظر تعجبت لحالنا الذي أصبح في تدهور دائم وكذلك الطلبة ـ المتلقين إن صح التعبير لأنهم لا يطلبون ولا يطالبون بشئ ـ أصبح وضعهم في أسوا حالاته، والتعليم الاكاديمي ليس الا مجرد خدعة نحاول ان نوهم نفسنا بانها خدعة ناجحة سنكسب من بعدها الكثير. أتساءل لم فقد الطالب الثقة في معلمه ، وفي علمه، وفي رغبة هذا المعلم في أن يعلم، واصبح في شك دائم من ما قد يعود عليه التعليم من ربح مادي ، فأصبح يراجع نفسه حسابيا ليحاول ان يصل إلى اكثر العلوم ربحا ، تماما كما يفكر التاجر في أكثر المجالات ربحا، إن أحس الطالب أن ما يتلقيه من معلمه لن يدر عليه مالا أعرض عنه وإن وجده اكثرالسبل وأسرعها كسبا للمال أقبل عليه وتنافس في تعلمه. أقابل في دراستي أشخاصا لم يفقدوا هذا فحسب بل فقدوا ثقتهم في كونهم عضو يجب ان يكون فعالا في مجتمعه بشكل او بآخر . تلك النظرة الدونية للتعليم والتعلم لم تصبح هكذا في يوم وليلة بل نمت بداخلنا في وقت كنا فيه غفلى، فأغفل المعلم عن دوره الأساسي ودخل في هيئة التدريس عدد من الأشخاص لا يمتون للعلم بصلة او القدرة على توصيله او نقله او حبه، فأصبحوا كنقطة في نهاية سطر اوقفوا بها ماتلقوه ومنعوا من تدفقه لمن بعدهم، وفي هذا الوقت أيضا نمى بداخل كل طالب كره التعليم واعتباره روتين ثقيل يجب ان يقوم به يوميا ، فأصبحنا أشبه بالآلات التي تتحكم في عالمنا وتطاولت حتى اصبحت تتحكم في عقولنا وتسيطر عليه فنسينا رسالتنا وأصبحنا نلهث وراء ألقاب لا نفع منها بل وتثاقلت تلك الالقاب من حمل أسماء من لا ينتمون لها، مجرد مظاهر خداعة يقصد بها وجاهة اجتماعية في مجتمع أعياه التناخر وأصبح يجمع قواه ليبقى على مظهره المتألق، مجتمع متطور معزز بأحدث وسائل الاتصال التي فرقت بين افراده فاصبحنا نستعيض برسالة قصيرة عن التلاقي وتمضية الوقت في التواصل الحقيقي، وساهمت سهولتها في حث الشباب للهرب من مواجهة مشكلات مجتمعهم بالسفر الى الخارج .. أنا لست ضد السفر الى الخارج بصفة عامة ولكني ضده مادام دون هدف ، لمجرد الهرب، لخلق اوهام واحلام لتحقيقها هناك، وليس كوسيلة لتحقيق هدف أسمى لرفعة مجتمعاتنا وحضارتنا الاسلامية التي هي في أمس الحاجة لتلك الطاقات المهدورة لتعود شمسها لتشرق من جديد على العالم ، وليعود الاسلام ليظهر على مادونه، وليفاخر الله بنا ملائكته ورسوله. التردي في حال التعليم في وطننا اصبح آفة تاكل العقول ، تقتل الابداع وتحرمه ، كلما مضينا قدما فيه كلما تآكلت عقولنا اكثر وأكثر وعجز علينا الخروج من مستنقعه. ادعو المعلمين ان يعتبروا علمهم رسالة فلا تجعلوها تتوقف عندكم وان تعتبروا المتعلمين أداة ووسيلة ليصل علمكم ولتطويره ليؤثر في مجتمعهم ،وان يقيموا الحوار لتتفتح العقول ، وأن يتقبلوا النقد البناء بروح طيبة لنعود لبناء الثقة المتبادلة بين الطالب والمعلم،وأن ينموا القيم والاسس التي تبني المجتمع كالاتقان والابداع وحب التعلم.. ادعو المتعلمين ان ينفذوا وصية الرسول عليه الصلاة والسلام ، فالعلم فريضة يجب الاقبال عليها بحب لا بكره، تساءلوا دائما ما الهدف من وراء ما نقوم به، وهل بعلمي هذا اخدم هدف أسمى اسعى له؟ هل يجب ان يتخطى مدى نظرى العائد المادي واسعى إلى ماهو اسمى؟ ادعو المتعلمين إلى ان يفتتوا العوائق التي قد يقابلونها ، ضغوط الأساتذة ، كسرهم لهمتنا أحيانا، إلغائهم لفكرة الهدف الذي نسعى وراءه، فصلهم للعلم عن الاخلاق ، واحتكارهم العلم مما قد يعمينا احيانا عما نسعى وراءه . اعلم ان كلماتي هذه ليست وحدها الكفيلة لترجع شمسنا للتألق ولكنها قد تكون نقرة على رؤوسنا قد تساهم في يقظتنا من غفلتنا لنعود لنبحث عن إرضاء الله ورسوله، ولتعلو امتنا ، ولنصبح فخرا للاسلام والمسلمين.
أضف تعليقا
من مصر
الموضوع هايل يابسكوته..احنا فعلا لازم نعمل وقفه ونفكر ايه وصل الحال لكده..
من ايام المدرسه واحنا بنزاكر لمجرد ان السنه تخلص وبعد كده انسي كل اللي اتاخد علي اساس ان في مواد كتير مبنحبهاش والا حتي فاهمين دي بتتاخد ليه بس كنا بنقول اهو عشان نخش الكليه وندرس اللي عايزينه بجد،وحتي بعدما دخلنا الكليه لقينا ان الوضع يبقي كما هو عليه ..واه اسفااااااااه
املنا هو الجيل الجديد من المدرسين زي عروش كده،شدي حيلك بقي ياعروش ،ده انتي في ايدك تغيير اجيال 
من سوريا
وينك يابسكوته
افتقدك ابنتي الغاليه
كوني <a href="http://www.sweetim.com/s.asp?im=gen&ref=11" target="_blank"><img src="http://content.sweetim.com/sim/cpie/emoticons/0002006A.gif" border=0 ></a>بخير
من مصر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
مدونة رائعة
انا كمان فى فنون تطبيقية اولى تصميم داخلى واثاث وفعلا كل كلمة كتبتيها بتنطبق عليا يعنى انا لما دخلتة كنت حابة اوى اوى انى ابدع وحابة انى افكر واعمل حاجات جديدة
بس لقيت ان دة كلام يعنى كل الشغل مفيهوش ابداع وكمان بيحددوا عقلك جدا فى حاجات كتير والاقوال الدكاترة والمهندسين متضاربة ومحدش عارف حاجة
تعرفى انى كان عندى ثقة جامدة جدا فى نفسى ولما دخلت القسم دة ثقتى راحت وانا مش واخدة بالى لانة العقل الباطن بيخزن مواقف الاحراج ورفض الشغل بدون سبب او لانة معجبش الدكتورة من غير ما تقولى ايه الغلط اللى فية خلانى افقد ثقتى فى نفسى
ودة للاسف بقا حال التعليم فى الكليات او المدارس كل شئ بايظ
الصراحة مش عارفة ياترى هايقدر يرجع تانى صح
ربنا يستر
سلاااااااااام
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية













من قطر
اسعدني اتوجد هنا
علي تلك المدونه
الر ائعه
والمو ضيع الجميله
تحيا تي لكي سيدتي
واتمنا تشرفك لمدونتي